Uncategorized

في اليوم العالمي للمرأة تراجع في الحقوق وزيادة في الإنتهاكات والمرأة العربية تدفع الضريبة الأكبر 

في مثل هذا اليوم من كل عام ،  يحتفل العالم بـ “اليوم العالمي للمرأة” الذي يصادف في 8 أذار، للإعتراف بإنجازات النساء على مختلف الصعد ( وطنية، اقتصادية، اجتماعية أو سياسية..)،  والذي أتى كنتيجة لنشاطات الحركات العمالية النسائية في مطلع القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية وجميع أنحاء أوروبا. وفي كل عام في مثل هذا اليوم، تعلو الأصوات للمطالبة بتحقيق المساواة وتمكين المرأة وحمايتها من العنف حسب مانصت عليه القوانين الدولية، وأيضا” حسب إعلان بيجين، الذي تم إقراره في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي عُقد في الصين عام 1995 وحضرته 189 دولة، وهوعبارة عن برنامج لتعزيز حقوق المرأة. ولكن للأسف أتت النتائج مخيبة للآمال، حيث تقاعس العالم عن الإلتزام والوفاء بكافة الوعود بخصوص بنود الإعلان، رغم بعض الإنجازات التي تحققت في هذا المجال. 

فعلى الصعيد العالمي، تشير مجمل التقارير الدولية والأممية والحقوقية إلى التراجع في تحقيق خطوات متقدمة وما نص عليه إعلان بيجين عام 1995 بما يتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين، وإن التمييز على أساس الجنس مازال متأصلا” في العديد من المجتمعات، كما زادت الإنتهاكات وحالات الإغتصاب التي تطال الفتيات والنساء. ففي أحدث تقرير للأمم المتحدة الذي صدر في 6 أذار/مارس 2025، والذي يحمل عنوان “مراجعة حقوق المرأة بعد 30 عاما” من بيجين“، والذي يشير إلى أن ربع حكومات العالم رصدوا تراجعا” في حقوق المرأة عام 2024. فحسب التقرير، فإنه تم قتل سيدة أو فتاة كل 10 دقائق على يد شريكها أو فرد من الأسرة، وتنشر التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي صورا” نمطية ضارة، بينما تحد الفجوة الرقمية بين الجنسين من فرص المرأة، كما يسلط التقرير الضوء على السياق العالمي المتزايد الصعوبة، بحيث أثرت الأزمات المعقدة، بما فيها جائحة كوفيد-19 والصراعات وتغير المناخ بشكل كبير على المساواة بين الجنسين. فقد ادت الجائحة إلى زيادة العنف المنزلي وفقدان النساء لوظائفهن بشكل غير متناسب. كما ارتفعت حالات العنف الجنسي المتعلقة بالصراعات بنسبة 50% منذ 2022، ناهيك عن التغيّر المناخي  الذي يهدد بدفع 256 مليون امرأة وفتاة إلى انعدام الأمن الغذائي بحلول عام 2050.

وقالت الأمم المتحدة “على الصعيد العالمي، ما زال العنف ضد النساء والفتيات مستمرا بمعدلات مقلقة. فقد تعرضت 736 مليون امرأة، أو واحدة من كل ثلاث نساء، مرة واحدة في حياتهن لعنف جسدي أو جنسي على يد شريك، أو لعنف جنسي على يد معتدٍ آخر”.

أما من  الناحية الإيجابية، أشار التقرير إلى أن نحو 88% من الدول مررت قوانين لمواجهة العنف ضد المرأة وإقرار خدمات لمساعدة الضحايا خلال الخمسة أعوام الماضية. وحظرت معظم الدول التمييز في مكان العمل، كما أن 44% من الدول تعمل على تحسين جودة تعليم وتدريب الفتيات والنساء، إلا أنه ومع ذلك، مازال التمييز على أساس الجنسين متأصل، حيث تم رصد فجوات واسعة في السلطة والموارد التي تقيّد حقوق المرأة.كما يثبت التقرير أنه عندما يتم دعم حقوق المرأة بشكل كامل في بلدانها وأسرها ومجتمعاتها واقتصاداتها، فأنها تزدهر، ومعى ذلك لا تزال هناك حاجة إلى جهود كبيرة لتحقيق المساواة بين الجنسين وتحقيق برامج خطة التنمية المُستدامة لعام 2030. 

على الصعيد العربي، فوضع المرأة، التي رغم أنها سجلت خطوات متقدمة في مجالات مختلفة، وأظهرت نجاحات باهرة في العديد من الميادين، إلا أنها مازالت تخضع لقيود وعدم المساواة، هذا في الدول التي تنعم نسبيا” بالاستقرار والهدوء، أما الدول التي تعاني الحروب والنزاعات الداخلية، فوضع المرأة أكثر من مزري نتيجة تداعيات الحروب والنزوح والانتهاكات التي يندى لها الجبين من السودان إلى فلسطين والأحواز العربية وسوريا وليبيا واليمن… 

ففي السودان، النساء والفتيات السودانيات هنّ أولى ضحايا الحرب العبثية ، حيث تمثل النساء والفتيات أكثر من نصف مجمل اللاجئين المسجلين من السودان، والنسبة أعلى في بعض البلدان المضيفة. وعلاوة على المخاطر الكامنة التي يشكلها الصراع والنزوح، تعرضت النساء والفتيات، والعشرات منهن لا تزيد أعمارهم عن 12 عاما”، لمستويات مروّعة من الإنتهاكات الجنسية، سواء في المناطق المتضررة من النزاع داخل السودان، أو أثناء تنقلهن إلى مناطق أخرى، أو في بلدان اللجوء، وإن العديد من عمليات الاغتصاب ارتُكِبت في المنازل والشوارع من قِبل المسلحين، عِدا عن انعدام الأمن الغذائي.

أما في فلسطين المحتلة، فيحتاج الأمر لصفحات لما تعانيه المرأة الفلسطينية منذ الإحتلال وما قبله لحين وقوع حرب غزّة 2023 وحرب الإبادة الجماعية ، حيث سطرّت المرأة الفلسطينية أسطورة في الصمود والصبر والثبات.

فما شهده قطاع غزّة جراء العدوان الهمجي وحرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها العدو الصهيوني ومازال ، وقدرة المرأة الفلسطينية، أيقونة النضال، على الصمود والثبات رغم الظروف الأكثر من مأساوية هي خير دليل على خصوصية المرأة الفلسطينية على التحمل والصبر والثبات في سبيل الحفاظ على الحق بالأرض.  فعدا عن الخسائر التي قدرتها  هيئة الأمم المتحدة للمرأة “بمقتل أكثر من 10,000 امرأة، منهن 6,000 أم تركن وراءهن نحو 19,000 طفل يتيم، وإن النساء اللواتي بقين على قيد الحياة يعانين من التشريد والجوع، ولا تستطيع أكثر من مليون امرأة وفتاة الوصول إلى الغذاء أو المياه الصالحة للشرب أو المرافق الصحية”، و فُقدت  كل شروط الحياة، حيث لا مأوى ولا غذاء ولا دواء ولا مستشفيات ولا مياه نظيفة. ورغم هذا، أصرّت المرأة الفلسطينية التي فقدت في كثير من الحالات كل أفراد اسرتها واقربائها، على البقاء والتشبث بالأرض. وليس الوضع بأفضل في الضفة الغربية، فعدا عن عمليات القتل والتدمير والتهجير، تتعرّض الأسيرات الفلسطينيات لأبشع أنواع التنكيل أثناء اعتقالهن، حيث يعانين من ظروف تحقيق مهينة التي يتخللها تحرش جنسي وحرمانهن من أبسط حقوقهن.فسلطات الاحتلال تتعمد إهانة النساء بهدف ثنيهن عن الاستمرار في نضالهن وصمودهن وتربية الأجيال على مفهوم المقاومة والتشبث بالأرض. وقد تناولنا في مقالات سابقة وضع المرأة الفلسطينية في ظل الاحتلال.

في الختام، إن يوم المرأة العالمي ليس يوما” فقط للإحتفالات والتمنيات وتسجيل مناظرات لا تغني ولا تسمن، بل المطلوب أتخاذ خطوات جدية من قِبل المنظمات الدولية والحقوقية والدول ومنظمات المجتمع المدني في سبيل تحقيق المساواة بين الجنسين، وحماية النساء من العنف والانتهاكات، وخاصة المرأة العربية، واعطائها الفرصة لمشاركة أكبر وتمكينها من لعب دور أهم في مجتمعاتها، إذ لا ازدهار ولا تنمية بدون مشاركة المرأة، واستجابة لذلك، اقترحت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ” منهاج عمل بيجين 30” الذي يدعو إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لتسريع التقدم نحو أهداف التنمية المُستدامة، ودعا التقرير إلى التركيز على  عدة إجراءات أهمها، ثورة رقمية لجميع النساء والفتيات، التحرر من الفقر، القضاء على العنف، سلطة كاملة ومتساوية في اتخاذ القرار، الأمن والسلامة والعدالة المناخية.

الأمل أن لا تكتفي المنظمات الدولية فقط بإصدار التقارير والمناشدات، بل اتخاذ خطوات فعلية وجدية لحماية المرأة وصون حقوقها، وخاصة المرأة العربية التي هي في قلب الحدث وتدفع الضريبة الأكبر.

كل عام ونساء العالم بخير!

نعمت بيان

8/3/2025

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى