
بعد عامين على حرب الابادة الجماعية التي ارتكبها وما زال الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني في غزّة، والإنتهاكات المروّعة في الضفة، حيث لم يشهد العصر الحديث مجازر وقتل جماعي وتدمير هستيري لكل معالم الحياة كالذي شهده القطاع. فهذا الكيان االهمجي لم يتجاوز فقط كل المعايير الدولية والقانونية والأخلاقية، بل رفس بشكل صارخ المعايير الإنسانية، أي حتى الأطفال والرضّع لم يسلموا من همجيته ودمويته. هذا الكيان الذي أقل ما يُقال عنه أنه عار على الإنسانية، والذي عُرّي ونُبذ لحجم القتل والتدمير والتطهير العرقي الذي شاهده العالم أجمع ، ورغم منعه وسائل الإعلام من تغطية عدوانه واستهدافه الصحفيين المحليين، إلا أنه استطاعت المنظمات الأممية والحقوقية من توثيق جرائمه التي صًنفت ضدّ الإنسانية وحرب ابادة جماعية وتجويع مُتعمّد.
فقد أجمعت مجمل التقارير الاممية والقانونية والحقوقية والانسانية على أن الكيان الصهيوني ارتكب مجازر مروّعة وابادة جماعية هزّت الضمير العالمي، والتي بينت الأعداد الصادمة للضحايا الذين معظمهم من الأطفال الذين نالهم القتل المتعمد، ناهيك عن معانات الأطفال الرضّع نتيجة قصف المستشفيات ومنع دولة الاحتلال من وصول المواد الطبية الضرورية. وأحدث تلك االتقارير هو لمنظمة اليونيسف الذي صدر يوم الثلاثاء في 7/10/2025 تحت عنوان ” الأطفال الرضّع يشاركون أقنعة الأوكسجين والأسرّة بسبب القيود الإسرائيلية”.
فقد قالت المنظمة إن “إسرائيل رفضت السماح بنقل الحضانات من مستشفى أُخلي في شمال غزّة ، مما زاد الضغظ على المستشفيات المكتظة في الجنوب، حيث يتشارك الرضّع أقنعة الأكسجين والأسرّة، وأن الأطفال يعيشون رعبا” ينبغي ألا يواجهه أي طفل“.
كما ترى المنظمة، ان الحرب الإسرائيلية على غزة والتي دخلت عامها الثالث أدت إلى تفاقم سوء التغذية والإجهاد بين النساء الحوامل، مما رفع أعداد الأطفال الخُدّج وناقصي الوزن، الذين يشكلون الآن نحو خمس عدد المواليد في القطاع، حسب منظمة الصحة العالمية.
وقال المتحدث بإسم اليونيسف، جيمس الدر، الذي زار المستشفى في الجنوب ” أن الأمهات يصطففن في ممرات مستشفى ناصر في جنوب غزّة حاملات أطفالهن الرضّع، مع النقص الحاد في الأكسجين، كما أن في إحدى غرف قسم الأطفال، كان هناك ثلاث أطفال وثلاث أمهات على سرير واحد ومصدر واحد للأكسجين ليحصل عليه كل طفل مدة 20 دقيقة، هذا هو مستوى اليأس التي وصلت اليه الأمهات الآن“.
من جهتها قالت منظمة الصحة العالمية عبر مديرها التنفيذي مايكل راين “إن عقول وأجساد أطفال غزّة تتحطم نتيجة منع دخول والمساعدات، وتجدد الضربات”. كم أوضح للصحافيين في مقر المنظمة في جنيف: “نحن نحطم أجساد أطفال غزّة وعقولهم، نحن نجوع اطفال غزّة ، نحن متواطئون“، داعيا” المجتمع الدولي إلى التحرك.
أيضا”، قال برنامج الأغذية العالمي، إن قطاع غزّة يحتاج الآن للغذاء وعلى نطاق واسع في ظل الأوضاع المأسوية، وشدد على أن الجهود الإنسانية يجب أن تتقدم لإنقاذ حياة الناس في القطاع. كما دعا إلى إتاحة الوصول الإنساني الآمن وبدون عوائق للسماح بتوزيع المساعدات الغذائية بشكل منظم في كافة أنحاء غزة.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن اتفاقية حقوق الطفل الأممية والبروتوكول الملحق بها تُحظر المس بالأطفال أثناء الحروب، وتلزم الدول بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة من خلال إنهاء الهجمات على المدارس والمستشفيات ومرافق المياه، وتوفير الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، إلا أن دولة الاحتلال المارقة لم تلتزم أو تحترم أية اتفاقيات أو قوانين، بل انتهكت بشكل صارخ قوانين حماية الطفل الأممية. إذ أن العدو لم يكتف بالقتل والتجويع إلى حد الموت ومنع ادخال المساعدات الطبية والغذائية، وتدمير المنازل على رؤوس ساكنيها، والترحال المستمر واستهداف النازحين في أماكن النزوح التي تفتقر الى كل مقومات الحياة في قطاع غزة ، ليسجل أكبر نسبة اطفال معتلقين في السجون الاسرائيلية، حيث كشف تقرير صادر عن مؤسسات الأسرى، وعرضه الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني عن أكثر من 1055 حالة اعتقال بحق الاطفال في عموم فلسطين، وتعرضهم لانتهاكات جسيمة أثناء الاعتقال. كما يكشف التقرير أن قطاع غزّة يشهد أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث، حيث ان هناك أكثر من 39000 يتيم في القطاع فقدوا أحد الوالدين أو كلاهما نتيجة العدوان الاسرائيلي، بينهم حوالي 17.000 طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف قاسية جدا في ظل الحرب دون سند أو رعاية أو معيل، حيث يعيش هؤلاء في ظروف أكثر من مأساوية، خاصة الذين أضطروا للجوء إلى خيام ممزقة أو منازل مهدمة في ظل غياب كلي للرعاية الاجتماعية والدعم النفسي. ومعاناة هؤلاء الأطفال لا تقتصر على فقدان العائلة والمأوى، بل تمتد إلى أزمات نفسية واجتماعية حادة، إذ انهم يعانون من اضطرابات نفسية عميقة، مثل الاكتئاب والعزلة والخوف المزمن، إضافة إلى فقدان فرص التعلم في ظل العداون، ليجدوا انفسهم فريسة سهلة للاستغلال في ظرف قاسي لا يرحم.
إن استهداف قوات الاحتلال الممنهج والمتعمد للأطفال هو جزء من مخطط صهيوني يهدف إلى محو جيل كامل من الفلسطنيين الذي يتطلب تدخل فوري وسريع من قِبل المجتمع الدولي لوضع حد لهذا الكيان الدموي واحالة مسؤوليه إلى المحاكم الدولية.
في المحصلة، إن ما تعرض له أطفال غزّة من معاناة ومأساة يشكل وصمة عار على جبين الإنسانية، وعلى المجتمعين الدولي والعربي لتقاعصهما عن حماية جيل بكامله الذي حتما” سيحتاج سنوات للتعافي من الأزمات النفسية والآثار والجراح العميقة والأضرار الجسدية التي سببتها الحرب على نفوسهم والتي تشكل تحديا” خطيرا لمستقبلهم. لذا المطلوب بالدرجة الأولى وقف الحرب الجهنمية وادخال المساعدات الانسانية والطبية ليستعيد هؤلاء الاطفال طفولتهم التي سرقتها آلة الحرب الصهيونية ويعيشوا في بيئة آمنة مع حفظ كامل حقوقهم. واليوم تجري مباحاث لوقف الحرب على غزة، فاذا التزم العدو بهذا الاتفاق، يتطلب من المنظمات الدولية والعربية والمحلية التدخل السريع وتقديم برامج مساعدة مُلحة لأطفال غزّة، عبر التركيز على الحاجيات الضرورية والأساسية المٌلحة، مثل السكن الآمن، والغذاء، والمساعدات الطبية والمياه النظيفة والأهم التعليم، لحين جلاء الصورة كليا” عن مسار الوضع في مجمل فلسطين.
هل سيلتزم العدو باتفاق وقف النار الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية؟ (وهو الذي لم يلتزم يوما” بأي اتفاق). هذا ما سيكشفه قادم الأيام!
نعمت بيان



