
تضجّ بعض الصحف ووسائل التواصل الإجتماعي وصفحات الأمم المتحدة بيوم أطلق عليه “اليوم الدولي للأخوة الإنسانية“، االذي يصادف في 4 شباط والذي يدعو إلى التقارب والحوار بين الثقافات والاديان والمعتقدات المختلفة التي تعتبرها الأمم المتحدة أنها عوامل تعزز “الأخوة الإنسانية”.
هذا اليوم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 243/53 في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1999 بأهمية الإعلان وبرنامج العمل بشأن ثقافة السلام اللذان يمثلان تكليفا” من العالم للمجتمع الدولي من أجل تعزيز ثقافة السلام واللاعنف التي تفيد البشرية وخاصة الأجيال القادمة حسب ديباجة الأمم المتحدة.
وأيضا” بُني هذا الإعلان على المفهوم الوارد في الميثاق التأسيسي لليونسكو الذي ينص على التالي: ” لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام”، وأكدت الجمعية العامة أن السلام لا يتوقف على غياب الصراع فحسب، إنما هو عملية دينامية وإيجابية وتشاركية، حيث تشجع الحورارت حل النزاعات بروح التفاهم والتعاون المتبادل”. وكإن البشرية بحاجة ليوم لتعزيز الأخوة بين المكونات الدينية خاصة في المنطقة العربية ، التي عاشت منذ ظهور الأديان على التآخي واحترام الآخر وحقوقه ومعتقداته الدينية، لولا تدخل قوى الشر والاستعمار لزرع الفتن والتفرقة بين هذه المكونات.
هذه الديباجة أنتجت اتفاقيات وتوقيع وثائق تحمل عناوين جاذبة في ظاهرها تدعو إلى الحوار والتآخي بين الأديان، وسموم مخاطر في مضامينها التي تعمل على تعبيد الطريق للتطبيع مع العدو الاسرائيلي. وأخطر هذه الإتفاقيات ” وثيقة الأخوة الإنسانية” من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، والتي وقع عليها رأس الكنيسة الكاثولكية البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في 4 شباط/فبراير 2019 في الامارات العربية والتي لم تأت هذه الوثيقة على ذكر فلسطين بأي من بنودها.
اليوم، يخطو لبنان هذا الركب، حيث يتجه نحو إدخال ” وثيقة الأخوة الإنسانية” في المنهاج التربوي. وقد أبرز تقرير نشرته جريدة النهار في 31/1/2025، يبين أن المركز التربوي للبحوث بدأ بكتابة المناهج الجديدة وسيؤتى على ذكر ” وثيقة الأخوة” فيها. هذا وقد برزت المطالبات في إدراج هذه الوثيقة ضمن المنهاج التربوي بعد إطلاقها في عام 2019 في الامارات العربية. وحسب التقرير، إن أكثر المطالبين والمتحمسين بإدراج هذه الوثيقة القيم البطريركي العام لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك أنطوان شار بأن الذي اعتبر إن ” هذه الوثيقة أكثر أهمية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ وضع الموقعان ( البابا فرنسيس والامام الشيخ أحمد الطيب) الأصبع على كل المشكلات التي تواجه عالمنا اليوم، مع رسم خريطة الخلاص“. ولفت إلى أن” ثمة ما يجمع بين الوثيقة والسينودس لأجل لبنان (1997)، لما يتسمان به من أبعاد عالمية، مقترحا” إدراج الوثيقة في المتهج التربوية في لبنان، مع إيجاد الآليات الملائمة لحسن تنفيذ هذا الإقتراح. وقد لاقاه مطارنة آخرون في السير بهذا الاقتراح ، حيث قال مطران زحلة سابقا” عصام درويش:” إننا نريد أن تكون هذه الوثيقة موضوع بحث ودراسة في المدارس والجامعات والمدارس اللاهوتية والفقهية، وان تدخل في صلب المناهج التعليمية، لأنها تحمل في طياتها أفكارا” اجتماعية وتربوية وروحية يمكن أن تساهم في بناء أجيال جديدة تحمل الخير والسلام إلى مجتمعاتنا“.
وفي ذات الإطار، كشفت رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام اسحق في حديث لجريدة النهار، ان المركز بدأ حديثا” بكتابة المناهج الجديدة، وأنه سيؤتى على ذكر “وثيقة الأخوة” فيها، وأن هناك مادة مقترحة ضمن المناهج الجديدة تحمل اسم الثقافة الدينية، وهدفها التعرف إلى ديانة الآخر، وسيتم ذكر هذه الوثيقة من ضمنها نظرا” إلى أهميتها، واضافت إن هذا لن يستغرق وقتا” طويلا”، أي خلال 6 أشهر سيكون الأمر منجزا”.
وثيقة الأخوة الإنسانية واتفاقية أبراهام
إن توقيع “وثيقة الأخوة الإنسانية” بين رأس الكنيسة الكاثولكية وشيخ الأزهر، كانت مقدمة لتوقيع إتفاقيات ابراهام التي بدأ العمل لها من قِبل الصهيونية العالمية منذ زمن بعيد، ولكنها أُنجزت في عام 2020، أي بعد عام من توقيع “وثيقة الأخوة”، حيث تم توقيع 4 دول عربية ( الامارات العربية والبحرين والسودان والمغرب) اتفاقيات تطبيع مع الكيان الصهيوني، وهي تبادل العلاقات الدبلوماسية والتجارية السياحية والتنكولوجية والأمنية وغيرها بحضور راعي الاتفاقية الرئيس الاميركي دونالد ترامب.
إن هذه الوثيقة وهذه الاتفاقيات المُذلّة التي قامت بها بعض الدول العربية، إذا ما نجحت، سيكون لها مضاعفات وتبعات بغاية الخطورة على القضية الفلسطينية واستتباعا على مسقبل الأمة العربية والأجيال القادمة، لانها من جهة ستلغي فكرة الصراع مع اسرائيل ، ومن جهة أخرى ستغري دولة الإحتلال بالمضي قدما” في اضطهاد وسلب حقوق الفلسطنيين، مستفيدة من كافة أشكال التطبيع والإستثمار في كافة المجالات التي أدُرجت في الإتفاقيات التي وُقعت . وأخطرها على الإطلاق هو التطبيع الثقافي والتعليمي من خلال إدخال مفاهيم على المناهج التعليمية والتربوية ووتغيير مفهوم الصراع مع العدو ونشر ثقافة الحوار والتآخي مع كيان لا يعترف لا بحقوق ولا يحترم معاهدات ولا اتفاقيات ولا قوانين.
إذا الموضوع ليس تقارب ثقافات وحوارات أديان ومعتقدات بقدر ما هو مشروع أميركي-صهيوني للإعتراف وتكريس وجود الدولة “اليهودية -الصهيونية” في قلب الوطن العربي تحت مسميات الأخوة الانسانية، الذي بدوره سيلغي فكرة الصراع العربي-الاسرائيلي الذي كلّف منذ إقامة الإحتلال ولتاريخ اليوم قوافل من الشهداء، عِدا عن التهجير والترانسفير والإعتقال والانتهاكات المروّعة التي يرتكبها العدو بحق الشعب الفلسطيني، وما حصل في غزّة والإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لكل معالم الحياة هي خير دليل على ذلك.
بإختصار، إن روح التآخي والتقارب بين الأديان ليست بحاجة لديباجة واتفاقيات ووثائق، لأنها قائمة بدون هذه الإجراءات غير البريئة، لانها كما ذُكر أعلاه ليست تحمل مضامين تكرّس مفاهيم مناقضة للثقافة العربية ومزوّرة للتاريخ فحسب، بكل ستكرس الإعتراف بدولة الاحتلال التي تطيح بكل الأعراف مستغلة حالة الوهن العربي لتنفيذ مشروعها الكبير بإقامة اسرائيل من الفرات إلى النيل!
لذا وبناء” عليه، يجب تفعيل مواجهة هذا النهج الاستعماري، ومقاومة ومنع هذه الاتفاقيات على كافة الصعد، والتعويل على دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية/التربوية التي تؤثر في تكوين الوعي للأجيال والرأي العام، وأيضا”المطلوب من كافة الهيئات والمؤسسات والجمعيات العربية المناهضة للتطبيع أن تعمل على وقف تنفيذ هذه الاتفاقيات لما لها من تداعيات خطيرة على قيم ونسيج المجتمعات العربية، خاصة في المجال التعليمي الذي يُسهل تزييف التاريخ لصالح السردية اليهودية-الصهيونية. والأهم من كل ذلك قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والتشبث بأرضه وحقوقه مع توفير رافعة عربية لدعم وتعزيز هذا الصمود.فهل من يستجيب قبل فوات الأوان ؟؟؟؟؟
نعمت بيان



