السودانالطفلالعالمتقارير

السودان – سلّة الغذاء العالمية – تحت وطأة خطر التداعيات الإقتصادية – وانعدام الأمن الغذائي

نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الدول الاسكندنافية  –  وعضو الهيئة الإدارية في منظمة المغتربين العرب في السويد

28/6/2024

إن أُولى وأخطر تداعيات الحروب والنزاعات هي التي تطال الإقتصاد، كون القطاع الإقتصادي هو الشريان الحيوي والأساسي في بنيان أي نظام. والسودان الذي يُطلق عليه  “سلّة الغذاء العالمية” لإمتلاكه ثروات هائلة وموارد طبيعة ضخمة،  ومساحات زراعية تٌقدر مساحتها نحو   170 مليون هكتار ، يعاني اليوم من  وضع اقتصادي حاد وغير مسبوق بسبب الحرب التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023 بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) والميليشيات المتحالفة معها. هذا الصراع الذي دخل عامه الثاني، بات يُنذر بعواقب خطيرة على مستقبل السودان الذي أُدخل في نفق مُظلم دون وجود أي أفق لمخرجات حلول تُنقذ هذا البلد من مخاطر إفقاره وتفتيته وإلحاقه تاليا” بالدول الفاشلة التي ينهشها الفساد والنهب وسرقة الثروات من قِبل مكونات سياسية/عسكرية وميليشاوية تعمل لصالح أجندات خارجية على حساب المصلحة الوطنية. 

ولم تٌجدِ النداءات والمناشدات والدعوات من هيئات ومنظمات دولية وأممية لوقف هذه الحرب التي طالت بالدرجة الأولى الأمن الغذائي للمواطن السوداني، فحسب تقرير لبرنامج الأغذية العالمي الذي صدر في شباط 2024 والذي أشار إلى أن ما لا يقل عن 25 مليون شخص يعانون من إنعدام الأمن الغذائي، وحذر التقرير من كارثة جوع مع إرتفاع الإحتياجات الغذائية في البلدان الثلاث ( السودان وجنوب السودان وتشاد)، إضافة إلى 10.5 مليون نازح داخليا” وخارجيا” حتى منتصف نيسان/أبريل 2023، كما وصفت المنظمات الأممية الوضع في السودان أنه من أسوأ الكوارث الإنسانية في الذاكرة الحديثة.                                                                هذه الحرب العبثية تأتي في مقدمة الحروب التي  تسببت في تداعيات بالغة الخطورة ليس على القطاع الإقتصادي فحسب، بل شملت كل القطاعات الأخرى، الصناعية والتجارية والزراعية والمالية والتعليمية والصحية،  وتعرضت كافة البنى التحتية لأضرار جسيمة، مما يضع السودان أمام مستقبل مُظلم ومجهول!

التداعيات الإقتصادية التي طالت القطاعات التالية:

1-القطاع الزراعي: واحدة ومن أكبر التداعيات التي تطال الإقتصاد السوداني  هي القطاع الزراعي الذي يساهم بحوالي 56% من إجمالي الصادرات،  فمساحات  الأراضي الزارعية  الشاسعة التي تُقدر بنحو 88 مليون هكتار،  والتي تشكل  80% من نشاط االسكان تحولت إلى مساحات قتال، في حين أصبحت المزارع مهجورة بسبب فرار الناس إلى مناطق آمنة. ولذلك انخفضت مساحة المزروعات في البلد حوالي 60%، مما بات يهدد سبل العيش للسكان وأمنهم الغذائي ومصادر الدخل. وقد حذر برنامج الأغذية العالمية التابع للأمم المتحدة، من “أن الحرب في السودان دفعت البلاد إلى شفير الإنهيار، وان أقل من 5% فقط من السودانيين يستطيعون تأمين وجبة كاملة في اليوم”، أيضا” حذرت منظمة اليونيسيف من ” تفاقم الوضع الذي بات يُنذر بخسائر كارثية في الأرواح مع ارتفاع نسبة الموت جوعا” بسبب هذه الحرب”.

2-التكلفة الإقتصادية للحرب : يُقدر الخبراء الإقتصاديون التكاليف المباشرة وغير المباشرة في الإقتصاد السوداني بأكثر من 100 مليار دولار أميركي، حيث توقف نحو 70% من النشاط الاقتصادي في السودان، كما تٌقدر تكلفة المعارك بنحو نصف مليار دولار يوميا”، على خلفية حجم الخسائر ومعوقات النمو الإقتصادي وتعطيل الخدمات والمرافق العامة في البلاد.

3-انخفاض معدل النمو الاقتصاديوفقا” لتوقعات البنك الدولي لعام 2023، فقد انخفض معدل النمو الإقتصادي إلى -18.3% ، كما بلغت خسارة  الناتح المحلي السوداني بنحو 151.1%. وكان من المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي إلى 43.91 مليار دولار أميركي في عام 2023. ووفقا” لـمؤسسة فيتش الدولية للتصنيف الإنمائي، أنه من المتوقع إنكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.1% في العام نفسه، وتشير “فيتش” إلى أن ارتفاع مستوى عدم الإستقرار في المدن الرئيسية سيؤدي إلى تعطيل النشاط الإستهلاكي وإغلاق الشركات، من جهته توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من  18% لعام 2023، مما يعزز حدوث ركود هائل في السودان.

4-القطاع المصرفي وانهيار العملة الوطنيةلقد خسر الجنيه السوداني  نحو 115% من قيمته بسبب الحرب، حيث يسجل سعر صرف الجنيه مقابل الدولار  حاليا” بـ 1400 جنيه مقابل 650 جنيها في نيسان/أبريل 2023. هذا  وتشهد الأسواق المالية تقلبات كبيرة في أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني بسبب زيادة الطلب على العملات الأجنبية لتغطية احتياجات المستوردين من المواد الأساسية والطاقة. ناهيك عن تأثر مجمل القطاع المصرفي بالظروف الأمنية المتدهورة، من تآكل رؤوس أموال البنوك، وعجز المودعين عن استرداد أرصدتهم ،  وتعثر في سداد عمليات التمويل والقروض وارتفاع نسبة الديون نتيجة تعرّض المصارف للسرقة والنهب والتدمير (32 مصرفا” من أصل 36 تعرّض للنهب ) . كما أن هناك نقص كبير في السيولة النقدية في البلاد، إضافة إلى أن القطع المتكرر لقنوات الإتصال يعيق الجهود المبذولة للحفاظ على استمرار العمليات التجارية. هذا وأرتفعت  أسعار المواد الغذائية بسنة 73% عن العام الماضي تأثرا” بانخفاض قيمة العملة الوطنية.

تجدر الإشارة إلى أن الإقتصاد كان قد تعّرض لهزّة كبيرة جراء انقلاب البرهان/ حميدتي في 25 أكتوبر 2021، تمثلت في تجميد “4” مليار دولار في شكل منح للسودان وتوقف عملية إعفاء الديون البالغة “56” مليار دولار التي كان المخطط لها في حزيران/ يونيو 2024. والقرارات الإرتدادية على ما حققته لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد المال العام التي اتخذتها سلطة الإنقلاب.

5– ارتفاع معدّل البطالة.: ارتفعت معدلات البطالة في السودان من 32.14% في عام 2022 إلى 47.2% عام 2024، حسب احصائيات صندوق النقد الدولي. مما يعني أن تقريبا نصف القوة العاملة فقدت وظائفها بسبب الظروف الأمنية التي أدت إلى إغلاق العديد من الشركات والمصانع من دون دفع أي تعويضات أو حقوق مستحقة لهم.

6-انخفاض الصادرات:  لقد تراجعت حركة الصادرات بنحو 60% بسبب إغلاق  المطار الرئيسي في البلاد وتوقف العمل في معظم الموانىء ، يٌضاف إليها اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن الحرب مما أدى إلى تراجع عائدات الصادرات من العملات الصعبة، ناهيك عن تراجع انتاج الذهب من 18 طن إلى طنيّن خلال أشهر الحرب، مما أفقد الخزينة السودانية عائدات صادرات الذهب التي تُعادل 50% من الصادرات، أي بقيمة ملياري دولار أميركي. هذا ويشكل الذهب أهم موارد السودان من العملة الصعبة بعد خروج 75% من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان.

7-قطاع النقل : أوشك هذا القطاع الحيوي على الإنهيار جراء توقف حركة النقل الجوي، وتضرر البنية التحتية من طرق وجسور وارتفاع تكاليف التشغيل، وفقدان قطع الغيار بسبب عمليات السلب والنهب، مما أدى إلى خروج نحو 75% من شركات النقل عن الخدمة.

8-قطاع الطاقة: لقد تضرر هذا القطاع بعد أن طالت نيران المعارك مصافي الجيلي والأبيض، وتضرر خطوط الأنابيب التي تحمل 150 الف برميل يوميا” من نفط جنوب السودان، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمستودعات في العاصمة، الخرطوم.  كما أدى توقف حركة الخدمات والعمليات التجارية والنقل بين بورتسودان وبقية الولايات وانخفاض إنتاج النفط السوداني إلى ارتفاع في أسعار المحروقات بشكل خيالي، مما انعكس سلبا” على معظم القطاعات الإقتصادية في البلاد.

أما قطاعي التربية والصحة فحدث ولا حرج، وسيخصص لاحقا” موضوعا” خاصا” بالوضع الصحي والتربوي  للإحاطة بشكل مفصّل بهذين القطاعين. ولكن يمكن اختصار الحال، بأن كلا القطاعين تضررا بشكل كبير.   فعلى الصعيد التربوي، تأثرت هذا القطاع بكل محاوره جراء الحرب التي تسببت في النزوح وتعرّض المؤسسات التعليمية في العاصمة الخرطوم للدمار، إضافة إلى كافة المراكز التربوية والمكتبات ومؤسسات التعليم العالي والبحوث. وللعام الثاني على التوالي وبسبب الظروف الأمنية لم تُجر امتحانات شهادة الثانوية العامة.

أما على الصعيد الصحي، فلا يختلف الحال عن باقي القطاعات، فهو نظام هش حسب وصف منظمة اليونيسف، إذ أن المؤشرات الصحية منخفضة. وأن هناك أكثر من 8 ملايين طفل دون سن الخامسة معرضون للخطر بسبب عدم تمنكهم من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية. وحسب منظمة الصحة العالمية، “أن النظام الصحي في السودان وصل إلى نقطة الإنهيار“، وقال ممثل المنظمة في السودان الدكتور نعمة سعيد عابد، ” إن الوصول إلى الرعاية الصحية محدودا” بسبب انعدام الأمن والنزوح ونقص الأدوية والإمدادات الطبية، مما يُعرّض ملايين السودانيين لخطر الإصابة بأمراض خطيرة أو الوفاة لأسباب يمكن الوقاية منها وعلاجها”.

من جانب آخر، يتراجع اقتصاد جنوب السودان في ظل معاناة الأسر من التضخم المفرط والانخفاض الشديد في قيمة العملة، ويرجع ذلك جزئياً إلى تعطل خط الأنابيب الرئيسي لتصدير النفط في البلاد ، والذي يمر عبر السودان، حيث إن النفط هو المصدر الرئيسي للدخل في جنوب السودان، إضافة إلى توقف الحركة التجارية منذ بداية الحرب عبر الحدود من السودان التي تُعتبر شريان الحياة لجنوب السودان .

في المحصلة، إن الإقتصاد السوداني الذي يعاني منذ التسعينات من مشكلات هيكلية، وضعفًا في الإنتاج، وجرائم التهرب من الجمارك والضرائب، يواجه اليوم  وبعد أربعة عشر شهرا” من الصراع الدامي،  أخطر التداعيات وأسوأ مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث من المتوقع أن يواجه أكثر من نصف سكان السودان ظروفا” أسوأ خلال الفترة بين حزيران/يونيو وأيلول/سبتمبر 2024، حسب التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي الذي يشارك في إعداده وكالات إنسانية دولية والذي صدر  الخميس في 27/6/2024 . يُشار إلى أن االتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي يتكون من 5 مراحل، “مستوى الأزمة” أو انعدام الأمن الغذائي الحاد يأتي في المرحلة الثالثة من التصنيف، المرحلة الرابعة هي مرحلة الطوارىء، أما المرحلة الخامسة فهي الكارثة أو المجاعة التي يلوح خطرها في 14 منطقة، مما يؤثر على السكان والنازحين واللاجئين، مع صعوبة التنقل وتقديم المساعدات الإنسانية بسبب تصاعد الصراع.

ومع عدم إستجابة طرفي النزاع لوقف الحرب، ستتجه البلاد ومستويات العيش للعباد نحو المزيد من التهاوي، دون وجود أي رؤية أو أفق للحل في المستقبل القريب،  ويكمن القول أن الأوضاع الراهنة في السودان أصبحت أكثر تعقيدا” ، أولا” لرفض المتنازعين على مخرجات حلول توقف الحرب وتنقذ السودان والشعب السوداني من السقوط إلى قعر الهاوية، وثانيا”  العجز العربي وفشل الأطراف الإقليمية والدولية في وقف القتال وإنهاء هذه الأزمة الشائكة التي يبدو أنها ستطول، مع إنشغال  هذه الأطراف  حاليا”  بأحداث أخرى في العالم،  كالحرب الأوكرانية-الروسية ، والوضع الذي استجد في فلسطين المحتلة بعد عملية طوفان الأقصي في 7 اكتوبر 2023، والتي بدأ ينذر بمخاطر كبيرة تهدد أمن المنطقة العربية برمتها، والسودان  واحدة من الدول العربية المهددة بالتقسيم والتفتيت إذا لم تُستدرك الأمور بإتخاذ إجراءات وخطوات عملية تُنقذ السودان وتحفظ وحدته !

المصادر:

1-https://ar.wfp.org/news/altdayat-alaqtsadyt-lhrb-alswdan-tfaqm-azmt-aljw-llmlayyn

2-https://ecss.com.eg/43540/

3- https://elhadaf-sd.com/صحيفة الهدف-التداعيات الإقتصادية- اللجنة الإقتصادية 

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button