الأمم المضطهدةالعالم

لماذا منظمة المغتربين العرب؟

نعمت بيان – مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الدول الاسكندنافية ، وعضو الهيئة الإدراية في منظمة المغتربين العرب في السويد

2/6/2024

أدت الحروب والإحتلالات والإضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في العديد من الأقطار العربية، من الأحواز  الى فلسطين والعراق واليمن والسودان وليبيا وسوريا ولبنان إلى إجبار الملايين على ترك الوطن الأم واللجوء إلى بلاد توفر الأمن والسلامة . وهذه الأعداد التي تجاوزت  الـ 20 مليون مهاجر أو بالأحرى لاجىء والتي تسنى لها الوصول إلى أوروبا ودول غربية أخرى واجهت تحديات وصعوبات جمّة،  فعِدا عن المشقّات الصعبة التي واجهوها للوصول إلى شاطىء الأمان  في بلاد المهجر، كان بإنتظار هؤلاء الهاربين من جحيم الحروب الكثير من التحديات والصعوبات. أهم هذه التحديات هي عملية الإندماج والتأقلم في مجتمعات جديدة تتمتع بثقافات وعادات متنوعة، منها ما يتلائم، ومنها ما يتناقض مع الثقافات الأخرى الوافدة وأهمها والأكثر انتشارا” الثقافة العربية. 

لذا يمكن القول أن هجرة هذه الألوف المؤلفة أعتبرت كولادة جديدة، كان يؤمل منها أن تكون مدخلا” لحياة أفضل وأكثر أمانا”. لكن مسار الأمور لم يسر عند الكثير من الفئات اللاجئة كما يجب.  فبالرغم أن المهاجر أو المغترب الذي حصل على جنسية البلد المُضيف يتمتع بكل الحقوق ، مثل حق الطبابة والسكن والرعاية الاجتماعية والحماية والتعليم  والعمل وحرية الرأي وغيرها من الحقوق المشروعة،  إلا أنه من جانب آخر واجه مشكلات وتحديات عديدة، أهمها مشكلة اللغة،  ولأن اللغة هي المفتاح الأساسي لعملية الاندماج، كان لا بد من إعطاءها الأهمية القصوى. فقط للتذكير، إن عدد كبير من اللاجئين العرب مما يحملون شهادات عالية ولديهم كفاءات علمية مرموقة، لم يحظوا بفرصة عمل تتوافق مع مؤهلاتهم  العلمية بسبب عدم تمكنهم من اللغة.

 ولكن وحتى ولو تجاوز المهاجر/اللاجىء عقبات اللغة والتأقلم ، إلا أنه واجه تحدٍ آخر متعلق بالجانب الثقافي والنمط الإجتماعي والتربوي في المجتمع الغربي والذي يصطدم غالبا” مع النمط الاجتماعي الشرقي وتحديدا” العربي بحيث ما هو مُتاح في جوانب عدة من التربية الإجتماعية في المجتمع الغربي، مرفوض في المجتمع الشرقي.  وقد عزز هذا التناقض بين هاتين الحالتين، هو أن العديد من المجتمعات الغربية لم تعد تنظر بعين الراحة إلى الثقافة العربية/ الإسلامية ، خاصة بعد صعود اليمين المتطرف الكاره للوجود الأجنبي وتحديدا” العربي والناشر لثقافة الكره والحقد بحق مجموعات معينة من المهاجرين، وما التصريحات والخطابات لمسؤولين  سياسيين في الآونة الأخيرة إلا خير دليل على ذلك. فبات يظهر بوضوح الإنزعاج من استعمال اللغة الأم في الاماكن العامة أو مكان العمل أو المدرسة، واستهجان ممارسة التقاليد والشعائر الدينية، والسماح لبعض العنصريين باستفزاز المجموعات الإسلامية عبر التنقل بين المدن وحرق المصحف الكريم الذي يُعتبر من المقدسات  الإسلامية التي لا يجوز المس بها تحت شعار حرية الرأي، يُضاف إليها حظر الحجاب في بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا، حيث أصبح الحجاب يشكل عائقا” في كثير من الأحيان في الحصول عمل، ناهيك عن الإجراءات التي شكلت للمهاجر أو المغترب تحديا” واستفزازا” نتج عنه حالات رفض وغضب في الشارع، ألا وهو تدخل مؤسسات الشؤون الإجتماعية في حياة العوائل وسحب الأولاد منها، وإيداعهم لدى عائلات أخرى تحت إدعاءات لا تمت للواقع في كثير من الأحيان بصلة، لأن أساليب التربية في المجتمعات العربية مختلفة عنها في المجتمعات الغربية التي تعطي مساحة واسعة جدا للحرية الفردية، وهذا بدوره سبب مشاكل عديدة بين الأهل الذين يتمسكون بضوابط التربية الشرقية، والأولاد الذين استغلوا حماية القانون لهم في ممارسة الحرية الشخصيةـ، والذين بدورهم تسببوا في العديد من المشاكل لأهاليهم مع المؤسسات الاجتماعية والقانونية، حيث بات الأهل يفقدون السيطرة على أولادهم في العديد من الحالات. 

 ولكن من جانب آخر وللموضوعية، لا بد من الإعتراف بأن بعض السلوكيات والممارسات الخارجة عن القانون لشباب من أصول أجنبية، كتجارة المخدرات وارتكاب الجرائم التي كثُرت في الأونة الأخيرة،  أثرت سلبا” على المزاج الشعبي الأوروبي الذي يُظهر عادة” تعاطفا” مع قضايانا ، إلى أن يتبنى وجهة نظر اليمين المتطرف المعادي للوجود الأجنبي والذي يرى أن مساحة الآمان بدأت تتقلص بسبب هذه السلوكيات لأفراد من أصول أجنبية.

 من هذا المنطلق، أصبح المهاجر/ اللاجئ  العربي يشعر انه يدفع ضريبة كبرى لوجوده في هذه المجتمعات، للأسباب التي ذُكرت أعلاه ، ولكن أكبر ضريبة تُدفع هي الضياع بين هويتين وانتمائين، خاصة عند الجيل الجديد الذي وُلد وترعرع في ربوع أوروبا ومعظم دول الغرب الذي فقدَ نسبيا” الهوية والانتماء للوطن الأم،  ومعظمه لا يتقن اللغة العربية، إلا عند القليل من الفئات حيث الأهل يعملون على  زرع حب الوطن في نفوس أولادهم وحثهم على قراءة واتقان اللغة الأم واهمية التمسك بإنتماءهم للوطن الأصيل.

بناء” على هذه التحديات والمعاناة التي تعيشها العوائل والأفراد في المجتمعات الغربية، كان لابد من إيجاد  إطار مؤسسة أو جمعية أو منظمة تعمل على لم شمل المغتربين والعناية بشؤونهم.لذا  ولدت فكرة تأسيس منظمة تُعنى بشؤون المغتربين في أوروبا والعالم الغربي، فكانت منظمة المغتربين العرب التي هي منظمة ثقافية، حقوقية واجتماعية، والتي ستكون إطارا جامعا” يستوعب المغتربين العرب في بلاد الإغتراب، بمختلف انتماءتهم. 

للمنظمة رؤية  مستقبلية وفق استراتيجية وخارطة طريق وبرامج سيكون لها دور فاعل في توطيد العلاقات مع الجمعيات والمنظمات الأخرى التى تتمع بالإنتماء العروبي والمتمسكة بالهوية الوطنية، وستعمل المنظمة على :

– ربط أبناء الجاليات العربية بالوطن الأم وترسيخ قيم الهوية العربية وتعريف الجيل الجديد الذي يجهل الكثير عن الوطن الأم على أصوله وحضارته.

-العمل على فك حالة الإنعزال التي تعيشها فئات عديدة في المهجر ومساعدتها على الاندماج الإيجابي مع الاحتفاظ بهويتها العربية وبإنتماءها للوطن الأم.

-مساعدة المغتربين في لم شملهم بعد تشتتهم في أقطاب العالم وتوحيد صفوفهم وتعزيز امكانياتهم وقدراتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسة بما يعود بالفائدة عليهم في البلد المُضيف وبذات الوقت على الوطن الأم.

 – تحفيز وتعزيز وضع امكانيات المغترب إعلاميا” وثقافيا” وسياسيا” بما يخدم المصالح والقضايا العربية في الغرب، بحيث يكون لهذه الجاليات كلمة ورأي مؤثر في سياسيات الدول المُضيفة لتغيير مواقفها من قضايانا العربية واهمها موقفها من الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

 – التركيز على دور الشباب، وتوظيف الامكانيات والعقول العربية المهاجرة في عملية التنمية البشرية وأن يكون لهذه الفئة التي هي نواة المستقبل الدور الفعال في إعادة بوصلة المهاجر إلى اتجاهها الصحيح.

 -تفعيل دور المرأة في نشاطات المغتربين لما لهذا الدور من أهمية.

في النهاية لا بد من التأكيد على  أن المهاجرين /المغتربين العرب الذين أجبروا على الهرب من جحيم الحروب، أصبحوا  جزءا” من هذه المجتمعات ومكون ثقافي وحضاري مهم في هذه الدول، وإن بإمكانهم لعب دور كبير في السياسة العامة إن وجدت الإرادة للمشاركة وبفاعلية في الشأن العام  حتى لا تبقى بعض الفئات مهمشمة ومعزولة ، ويكون لها دور فاعل ومؤثر ، وهذا ما ستعمل عليه منظمة المغتربين العرب، التي ستؤسس للوبي عربي فعال على الساحة الأوروبية يكون راعيا” لمجمل شؤون وشجون المغتربين وسقفا” يجمع تحته الجميع. 

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button